أخبار السعودية

[أخبار-السعودية][btop]

أخبار الإمارات

[أخبار-الإمارات][grids]

أخبار الكويت

[أخبار-الكويت][btop]

أخبار قطر

[أخبار-قطر][btop]

ماكس ستاينكي.. الرجل الذي منح السعودية ثروتها

بدأ التنقيب عن البترول في شبه الجزيرة العربية في عشرينات القرن الماضي، إلا أن النفط السعودي لم يتم العثور عليه قبل أواخر الثلاثينات، والفضل في ذلك يرجع إلى الجيولوجي الأمريكي الشهير ماكس ستاينكي.

في صباح يوم الجمعة الموافق الثامن عشر من فبراير عام 1921، نشرت إحدى الصحف التي تُحَرر بداخل جامعة ستانفورد، خبرًا لن يثير اهتمام الكثيرين وقتها، إلا أنه سيكون له أثرٌ غير مباشر على الغالبية العظمى من سكان الأرض، ففي الصفحة الثالثة من جريدة بالو ألتو اليومية (The Daily Palo Alto)، التي ستتحول بعد ذلك إلى ستانفورد اليومية (The Stanford Daily)، نُشرت أسماء الطلبة الذين قد مُنحوا لتوهم درجاتهم الجامعية بعد إتمامهم الدراسة في مختلف الأقسام، من بينهم ماكس ستاينكي، الطالب الذي تخرج في قسم الجيولوجيا، والذي سيصبح بعد عدة سنوات صاحب الفضل في اكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية، فاتحًا الطريق إليها كي تصبح بعد ذلك قوة اقتصادية وسياسية عالمية، تشارك في تحديد مصائر مئات الملايين من البشر.

المغامرة الأولى مع البريطانيين

في عام 1921، كانت جهود عبدالعزيز آل سعود لتوحيد البلاد في إطار دولة ثالثة قد تُوجت بإعلانه سلطانًا على نجد وحكمه للجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية. في العام التالي، تقدم إليه الضابط البريطاني النيوزيلاندي فرانك هولمز بطلب الحصول على امتياز التنقيب عن البترول في سلطنته، وهو ما كان له. بدأ هولمز مغامرته في البحث عن النفط من الإحساء بعقد يعود على السلطان بـ 2500 جنيه استرليني في العام، لكن الجيولوجيون الذين يعملون له قد فشلوا في إيجاد ما قد يحثه على بدء الحفر على مدار الأشهر التي تلت ذلك، فما كان منه إلا أن أوقف نشاط شركته في الإحساء عام 1927، وتوقف عن دفع مُستحقات السلطان عبدالعزيز السنوية، ورحل في صمت إلى البحرين في مغامرة أخرى قد حالفه الحظ فيها، وتبقى الأراضي السعودية بكرًا في ظل التكهنات السلبية لشركات البترول عن وجود ما يستحق التنقيب لأجله في باطنها.

شركة سوكال والمحاولة الثانية

أصبح السلطان عبدالعزيز ملكًا على الأراضي السعودية بالكامل في عام 1932 وأُعلنت المملكة العربية السعودية بشكلها الحالي. كانت للملك رغبةٌ في استكشاف آبار المياه الجوفية بأراضيه، فعهد بالأمر لرجل الأعمال تشارلز كرين صاحب الخبرة في مجال الري واستصلاح الأراضي. أرسل كرين أحد مهندسيه المتواجدين في اليمن، ويُدعى كارل تويتشل، إلى السعودية لدراسة فرص إيجاد مياهٍ جوفية. على عكس التطلعات، جاء تقرير تويتشل سلبيًا بشأن مصادر المياه، إلا أنه أشار إلى أهمية الارتشاحات البترولية في منطقة الإحساء، حيث فشل هولمز قبل ذلك في التنقيب عن نفط المملكة.

بعد ذلك، حصلت شركة ستاندرد أويل كاليفورنيا “سوكال”(Standard Oil of California – SOCAL)، على حقوق امتياز التنقيب عن البترول في أراضي المملكة، في مقابل ما هو مجموعه 50 ألف جنيهٍ استرليني ذهبي، ومبلغٌ سنوي قدره 5000 جنيه استرليني. أسست سوكال بعد ذلك في عام 1933شركةً تابعةً لها لتدير عمليات التنقيب في المملكة، وأسمتها شركة ستاندرد أويل كاليفورنيا العربية (California Arabian Standard Oil Company – CASOC)، التي ستتحول بعد ذلك إلى شركة آرامكو الشهيرة، وباشرت في إرسال الدفعة الأولى من جيولوجيها إلى السعودية، لكن لم يكن الوقت قد حان بعد لماكس ستاينكي بأن يصل إلى السعودية، فلم تطأها قدماه قبل عام 1934 مع الدفعة الثانية من الموظفين.

ستاينكي يصل إلى السعودية

طبيعة السعودية القاسية لم تكن جديدة على ستاينكي، فخريج ستانفورد الفذ ظل طيلة ثلاثة عشر عامًا متنقلًا بين حقول آلاسكا وكولومبيا ونيوزيلاند قبل أن يطلب أن يتم نقله إلى ميدان السعودية الواعد عام 1934. بقي ستاينكي جيولوجيًا عاديًا لمدة عامين، ثم أصبح بعد ذلك كبيرًا للجيولوجيين في رحلة سوكال في البحث عن النفط السعودي. تلك الرحلة التي لم يكن فيها وحيدًا، فقد لحقت به زوجته فلورانس وابنتاه ماكسين وماريان ليظلا معه في السعودية.

قام ستاينكي برحلة استكشافية هي الأولى من نوعها في السعودية، من مدينة الظهران في أقصى شرق المملكة، حيث يقع معسكر سوكال وحقولها الاستكشافية، إلى مدينة جدة في أقصى الغرب. قام فيها بتجميع العديد من الحفريات والعينات الصخرية، بالإضافة إلى دراسة طبيعة الأرض، ثم قام بكتابة ورقة بحثية عن الطبيعة الجيولوجية للمملكة، تلك الخبرة التي ساعدته في أعمال الكشف عن حقول البترول بعد ذلك، وجعلته الأكثر علمًا بين معاصيره بما يستتر في باطن الأراضي السعودية.

كانت الحقول الاستكشافية لسوكال تتمركز في مكانٍ بالقرب من جبل الظهران، قاموا بتسميته قبة الدمام، وذلك بعد أن رأوا فيه تشابهًا مع منطقة جبل الدخان في البحرين حيث تم استخراج النفط بنجاح في عام 1932. لكن سوكال قد تمهلت حتى نهاية أبريل من عام 1935 حين قامت ببدء حفر أول الآبار الاستكشافية في السعودية، بئر الدمام 1. ومنذ ذلك الحين إلى مطلع عام 1938 كانت الشركة قد حفرت ستة آبار إضافية في ظل النتائج الواعدة التي حققها بئر الدمام 2، إلا أنه بعد بداية إنتاجه الرائعة تبدل مع الوقت وتحول نفطه إلى خليطٍ يغلب على تكوينه الماء، وهو ما حدث أيضًا مع آبار الدمام 3 و6، بالإضافة إلى فشل بئر الدمام 1، وجفاف كل من الدمام 4 والدمام 5. كانت الآمال منصبة على بئر الدمام 7، لكنه ظل مخيبًا لها، مما دفع إدارة شركة سوكال ببدء تحقيقاتٍ عن الوضع القائم في السعودية، والاستكشافات التي كلفتهم ملايين دون أن أي جدوى. حينها، قاموا باستدعاء كبير الجيولوجيين، ماكس ستاينكي.

ماكس ستاينكي أثناء التنقيب عن النفط وسط الصحراء

لم يقم ستاينكي بإصدار أي تزكيات بشأن الحفر في أحد المواقع قط إلا قبل أن يستوفي كافة الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية حول هذا الموقع، وبمجرد وصوله لرأي بناءً على منهجه العلمي، لم يكن يتوانى أبدًا عن القتال من أجله. مدفوعًا بهذه الصفات أصدر توصياته بأن يواصلوا الحفر في بئر الدمام 7 إلى أعماقٍ أبعد، ورحل إلى سان فرانسيسكو ليواجه رؤسائه ويظل يدافع عن رأيه في وجوب مواصلة الحفر وعدم تعليقه. وفي أول أسبوعٍ من مارس، بينما يواصل ستاينكي محادثاته، أثمر الدمام 7 بعد ثلاثة سنوات من التنقيب عما ظلت سوكال تبحث عنه طيلة هذه المدة: بدأ الدمام 7 في إنتاج 1585 برميل بترول في اليوم الواحد، ارتفعت إلى 3690 بعد ثلاثة أيام، وأثمر عما يزيد عن 100 ألف برميل في خلال ثلاثة أسابيع. وبتعميق الحفر في كل من الدمام 2 والدمام 4، وصلوا إلى نفس معدلات إنتاج الدمام 7، مُثبتين أن حقل الدمام يصلح لأن يكون حقلًا تجاريًا لإنتاج البترول. بقي حقل الدمام منتجًا للنفط حتى عام 1982 إلى أن توقف، حينها كان قد أنتج 32 مليون برميل.
ظل ستاينكي كبيرًا للجيولوجيين في فرع سوكال بالسعودية حتى عام 1946، مُسهمًا ولو بشكل ضئيل في جميع اكتشافات حقول البترول هنالك إلى أن رحل عنها، وذلك عن طريق قيامه بتطوير تقنيات حفر استكشافية استُخدمت بشكل موسع في جميع المواقع بالسعودية، والتي عن طريقها تم اكتشاف حقل الغوار، أكبر حقول البترول على مستوى العالم. كما أسهم ستاينكي بشكل بارز في اكتشاف حقل البقيق العملاق بالقرب من الدمام.

فلسفة ستاينكي العملية

كان ستاينكي يؤمن بروح الفريق، لا يقصر اتخاذ القرارات على حكمه فقط، وإنما يشرك فيها جميع زملائه ومرؤسيه، كما أنه لم يكن متصلب الرأي، فلم يجد أبدًا غضاضة في الرجوع عن قرارٍ أو رأي قد أبداه في ظل وجود معطيات أو معلومات جديدة تثبت خطأه، كان حريصًا على أن يكسب ثقة المحيطين به، وأن ينقل معرفته وخبراته بل وصفاته الشخصية إلى من حوله. لذا، داوم على العودة إلى جامعته ستانفورد كي يلقي محاضرات من تنظيم أسرة الجيولوجيا في الجامعة – والتي كان هو عضوًا فيها عندما كان طالبًا – يعرض من خلالها أفلامًا عن الطبيعة الجيولوجية للسعودية، ويشرح للطلبة طبيعة عمله، وكيفية الانضمام إلى فريق سوكال.

تكريمه ووفاته

ولإنجازاته الخالدة في التنقيب عن البترول في السعودية، التي غيرت وجه العالم، ولإضافته الهامة لعلم الجيولوجيا، تم منح جائزة سيدني باورز التذكارية (Sidney Powers Memorial Award)، التي تمنحها الجمعية الأمريكية لجيولوجي البترول (American Association for Petroleum Geologist)، ليصبح الشخص الخامس الذي ينالها في تاريخها عام 1951. لكن تدهور صحة ستاينكي أدت إلى وفاته بكاليفورنيا عام 1952 في الرابعة والخمسين من عمره. ولا تزال آثار إنجازاته في السعودية متجسدة أمام أعين الجميع متمثلةً في اقتصادها القوي القائم على النفط.

ليست هناك تعليقات: