مرض التراكوما| تاريخ وأسباب الرمد الحبيبي وقصة اكتشاف علاجه

كتب: د.أحمد عوضين .. فى عهد ما قبل المضادات الحيوية و جراحات العين المتطورة كانت التراكوما (او الرمد الحبيبى) مرض مخبف حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرته "مرض معدى و خطير" عام 1897 و ظل كذلك حتى منتصف القرن العشرين.

كانت القارة الأمريكية - ولازالت – حلما للهجرة لملايين البشر من شتى بقاع العالم. فى ذلك الوقت - قبل عصر السفارات و التأشيرات حين كانت أبواب الولايات المتحدة الأمريكية مفتوحة لاستقبال الجميع – كان المهاجرون يصلوا الى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق جزيرة ايليز Ellis Island)) والتى نقع فى خليج نيويورك.

مع زيادة المهاجرين الى امريكا فى بدايات القرن العشرين بدأت التراكوما (او الرمد الحبيبى) تشكل مشكلة للولايات المتحدة الامريكية حيث لوحظ انتشار المرض داخل نطاق ما اسموه حزام التراكوما (Trachoma Belt) و هى المناطق التى تقع فى منصف القارة الأمريكية.
جزيرة-إليز

مع زيادة انتشار الرمد كانت السلطات الأمريكية تقوم بتوقيع الكشف الطبى على جميع القادمين الى جزيرة اليز لاكتشاف اية امراض معدية و اهم هذه الأمراض بالطبع كان التراكوما. تذكر الملفات ان التراكوما كانت سبب ترحيل المهاجرين القادمين و حرمانهم من الدخول الى امريكا لأسباب صحية فى 85% من الاوقات.

كان الكثير من المهاجرين من فلسطين و لبنان و سوريا و القليل منهم من المصريين. فى هذه الأونة كان ينظر للرمد كأنه مرض خاص بالفقراء و العرب. حتى أن "جاسكى" (Jassky) - أحد الاطباء اليهود - حاول أن يثبت أنه لا يوجد ذكر لاصابة اليهود بالتراكوما قبل احتكاكهم بالعرب و هو الأمر الذى فنده ماككالان فى مقالاته العلمية . كان الانطباع أن التراكوما منتشرة بين الفلاحين لكن كان يقال "طالما يستطيعون التفرقة بين الحصان و البقرة عن قرب فانهم يعتبرون عينهم سليمة". فى هذه الأونه اقيم فى فلسطين مؤتمر تحت اسم "القضاء على التراكوما" اشترك فيه العديد من الأطباء اليهود المقيمون فى فلسطين. كان من ضمن ما ذكره احد المشاركين و اسمه “ارون ميسى” (Aaron Masie) "ربما يكون فى داخلنا خوف من القضاء على التراكوما قد يؤدى الى زيادة الهجرة من اسرائيل. لدينا الثقة أن التراكوما ليست هى الشئ الوحيد الذى يربطنا بفلسطين".

فى الولايات المتحدة الأمريكية كانت درجة انتشار التراكوما بين أطفال المدارس شديدة لدرجة أنه كان يتم اجراء مسح دورى للأطفال فى المدارس لمعرفة المصابين بالتراكوما. فى الاول كان يتم عزل الأولاد بعيدا عن المدرسة فى بيوتهم ثم ظهرت فكرة انشاء مدارس خاصة للأطفال المصابين بالتراكوما. و بالفعل ظهرت أول مدرسة خاصة بالأطفال المصابين بالتراكوما فى نيويورك. كان هذه المدارس مجهزة باحواض و صنابير خاصة يتم تشغيلها بالأرجل لمنع انتشار العدوى بالأيدى كما كان يجبر الأطفال على غسيل كرسيهم و طاولتهم بالماء و الصابون كل يوم.

فى الهند كان الوضع اسوأ. فى العشرينات من القرن السابق أصدرت السلطات الهندية قرارا بضرورة تعلم جميع الاطباء جراحة استئصال الملتحمة و الرصغ (Tarsus) و شجعت اجرائها للمرضى المصابين بالتراكوما الأمر ادى هذا الى حدوث كوارث و مضاعفات لا بمكن وصفها خاصة أن الجراحة ليست ذات فائدة علمبة حتى تم الغاء القرار عام 1927.

كانت وسائل علاج التراكوما فى ذذلك الوقت محدودة للغاية و غير فعالة. كان يتم عمل كحت للجفن من الداخل ثم يتم وضع مواد كيميائية حارقة مثل الزئبق او كبريتات النحاس. كان الذين بقومون بهذا فى القرى هم حلاقى الصحة. الكل بالطبع بعرف اصابة "طه حسين" بالعمى بعد جراحة و علاج مشابه لهذا.

لم يكن هناك علاج معروف و فعال للتراكوما خاصة أنه لم يعرف الميكروب المسبب لها الا فى منتصف القرن العشرون. كان الغالب فى الظن انه فيروس و لا يستجيب للمضادات الحيوبة حتى ظهر "فريد لو" (Fred Loe).

ولد فريد لوى لعائلة امريكية فقيرة واضطر أن يعمل كبائع احذية كى يعين نفسه على المصاريف الجامعية و عمل فى الجيش فى القطاع الطبى الخاص بعلاج الهنود. كان "فريد لو" هو صاحب اكتشاف امكانية علاج التراكوما بمستحضر السلفا فى عام 1937. كان الغالب على الظن فى هذا الوقت أن الرمد يسبببه احد الفيروسات و أن مستحضر السلفا يقضى على الفيروسات! اعطى "لو" اثنان من المرضى الهنود اقراص السلفا كما صب فى عينهم بودرة السلفا و للعجب تعافى المرضى خلال ايام. انتشر هذا الاكتشاف فى كافة انحاء العالم ثم ظهرات مضادات حيوية أكثر كفاءة فى القضاء على التراكوما لكن يبقى الفضل ل"فريد لو" أنه أول من اكتشف علاج فعال للتراكوما فى العالم.

مؤخراً اعتمدت منظمة الصحة العالمية استخدام عقار الأزيثرومايسين (Azithromycin) لعلاج التراكوما بجرعة واحدة تعطى بشكل جماعى لكل المواطنين للقضاء على المرض للأبد. تبرعت شركة فاايزر بتوفير الدواء لخمس بلدان غى العالم من ضمنهم مصر. و بالغ الظن أن الدواء فى مصر الان و ان لم يفرج عنه الى الان من اللجان المسؤولة لأسباب خاصة بالتسعير.

المصادر:
1- Aaron Brav, “Are We in Danger of Trachoma?,” New York Medical Journal 93, no. 9 (March 4, 1911): 112.
2- Aaron Brav, “Trachoma as a Sociologic Index,” American Medicine 20 (1914): 41.
3- Shannen K. Allen and Richard D. Semba. The Trachoma “Menace” in the United States, 1897–1960. Survey of Ophthalmology 2002; 47(5): 500-508.
4- Robert M. Feibel. Fred Loe, MD, and the History of Trachoma. Arch Ophthalmol. 2011;129(4):503-508
5- Loe F.Sulfanilamide treatment of trachoma preliminary report [reprinted in Transactions of the Section on Ophthalmology, AMA. 1938:57-61]. JAMA. 1938;111(15):1371-1372.

مقالات مُشابهة قد تهمك

أحدث الأخبار